الاستكبار غربياً وإيرانياً!
لندن - بقلم: راجح الخوري
في الغالب يتحدث رجال النظام في ايران عن "الاستكبار العالمي". من وجهة نظرهم وقياساً بالأساليب المتبعة في التعامل بين أميركا ودول الغرب من جهة وباقي دول العالم من جهة ثانية، ربما يكون من حق النظام في طهران الحديث عن "الاستكبار".
لكن المثير ان تصريحات معظم المسؤولين في طهران تأتي مفعمة هي ايضاً، بهذا النوع من الاستكبار غير المبرر اطلاقاً، لانه يثير التوجّس والحساسية والاعتراض عند الدول الخليجية تحديداً، التي تتخوّف من الطموحات الاقليمية الايرانية.
وإذا كان الخلاف على هوية الخليج، وما اذا كان عربياً أو فارسياً، قد شكّل مادة للتراشق الاعلامي منذ قيام النظام الجديد في طهران، فإن الأمور الآن تجاوزت حدود التسميات الى ما هو أعمق وأهم، انطلاقاً من دأب طهران على التصرف بما يوحي أنها تنظر الى دول الخليج وكأنها الضاحية الغربية الجنوبية لإيران!
إن الرصد الموضوعي لمسلسل التصريحات الايرانية والتحليل الهادئ لعمق الاقتناعات ومنطلق الافكار الايرانية، يمكن ان يكشفا بسرعة وجود استكبار ايراني قد يتجاوز الاستكبار الغربي، عندما نقرأ مثلاً تصريحات الرئيس احمدي نجاد، الذي لم يتردد في القول:
"إن ايران أعدت خطة لادارة العالم انطلاقاً من ان مجلس الامن مؤسسة جائرة".
ربما لا يجوز في هذا السياق الدفاع عن مجلس الامن الذي لأميركا فيه الكلمة الفصل، ولكن الموضوعية والتواضع يفرضان على الرئيس الايراني أن يتذكر على الاقل، ان دول الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي سابقاً، وكذلك دول عدم الانحياز، حاولت رفع ايدي الاميركيين عن مجلس الامن ولكنها فشلت. فهل يظن النظام الايراني انه سينجح حيث فشل العالم تقريباً؟!
ثم إن روح الاستكبار الايراني يتجلى في شكل مثير للتوجس والحساسية والغيظ في منطقة الخليج، حيث هناك مجموعة من الدول العربية التي تشكو في الغالب اما من محاولات التدخل الايراني واما من التهديدات الايرانية واما من الاحتلال الايراني كما هو حاصل مع دولة الامارات التي تطالب بالجزر الثلاث التي تحتلها ايران بالقوة.
الدول العربية في الخليج لا تهدد ايران، لكن ايران لا تتوقف عن تهديد هذه الدول مباشرة أو مداورة. واذا كانت الحرب مع العراق أيام الطاغية صدام حسين، قد نشبت انطلاقاً من قيام طهران بمحاولات تصدير الثورة والقنابل الى بغداد، فإن الحساسية المتزايدة الآن في دول الخليج هي نتيجة تصدير التهديدات، كمثل الاعلان مثلاً أول من أمس، عن ان مهمة غواصات "غدير" التي دشنتها ايران هي "الحفاظ على أمن الخليج". ولكأن أمن الخليج هو مسؤولية ايرانية، بينما الواقع هو ان أمن ايران مسؤولية ايرانية فقط وهذه الغواصات لحماية ايران لا الخليج!
وعندما يقول وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي:
"ان سياسة ايران الاستراتيجية تكمن في القيام بدور مهم في تحقيق التقارب الاقليمي والارتقاء بالتعاون الثنائي والمتعدد الجانب بين دول المنطقة، مثل سوريا ولبنان ومصر والعراق وايران وتركيا والاردن والدول الاعضاء في مجلس التعاون الخليجي، ومواجهة مؤامرات الاعداء"، فإن ذلك يدفع الكثيرين في هذه المنطقة الواسعة الى التساؤل:
أولاً: لماذا يحاول متكي أن يرفع المظلة الايرانية فوق كل هذه الدول ولكأن ايران هي المرجعية الاقليمية الأولى؟
ثانياً: هل ان السلوك الايراني والتدخلات في ملفات المنطقة، يؤكدان رغبة ايران في قيام تقارب اقليمي أم بامتلاك مناطق أو بالأحرى "شرائح" نفوذ في المنطقة؟
وعندما يقول متكي في سياق التصريح عينه: "نحن سعداء بتحسن العلاقات بين المملكة العربية السعودية وسوريا" فإن ذلك يوحي وكأن ذلك التحسن هو نتيجة المساعي أو الجهود الايرانية، وهذا غير صحيح على الاطلاق، لأن التحسن جاء نتيجة المبادرة الشجاعة التي اتخذها خادم الحرمين الشريفين في قمة الكويت، بهدف اعادة ترتيب البيت العربي في مواجهة التحديات التي تعترض العالم العربي حرباً أو سلماً أو تدخلاً على المستوى الاقليمي كما هو معروف!
ليس سراً ان التدخلات الايرانية كان لها دورها الكبير في إذكاء الخلافات العربية، ويكفي في هذا السياق، أن ننظر الى الانقسام الفلسطيني الذي ذبح القضية المركزية للأمة العربية.
وليس سراً أيضاً أن خادم الحرمين الشريفين شخصياً تدخّل على مدار الساعة مع الزعماء الايرانيين لمنع الانزلاق الى فتنة مذهبية بين السنّة والشيعة، وهو أمر تعرفه جيداً طهران وكل عواصم دول الخليج وحتى دول العالم.
ليس سراً أيضاً وأيضاً أن طهران التي يدفعها حسها الاستكباري الى الحديث عن الخليج وكأنه الحديقة الخلفية لنفوذها الاقليمي، لم تتردد دائماً في الحديث عن إشعال النار في الخليج اذا تعرضت لعدوان من اميركا أو اسرائيل رغم ان دول الخليج أجمعت وتجمع دائماً على إدانة هذا العدوان المجنون والمجرم.
في أي حال ليس هناك من يعترض على الموقف الايراني مما تسميه طهران "الاستكبار العالمي"، لكن هناك حاجة ضرورية فعلاً الى ان تتنبه طهران الى انها ذهبت بعيداً في استكبارها، وخصوصاً عندما يقول نجاد أنه أعدّ خطة لإدارة العالم. ومن يفكر هكذا يفترض ان الخليج ينام في جيبه الصغير!
*نقلاً عن "النهار" اللبنانية