عام من المخاض الايراني بعد الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل

عام من المخاض الايراني بعد الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل
الجمعة يونيو 11 2010
لندن - خاص بـ من يوسف عزيزي - مضى عام كامل على الانتخابات الرئاسية الايرانية التي اُعلن بعدها عن فوز محمود احمدي نجاد رئيسا للبلاد. وقد نزلت الجماهير الغاضبة انذاك الى الشوارع، رافضة تلك النتائج، متهمة السلطات الايرانية بالتزوير والتلاعب بالاصوات. واستمرت المظاهرات والاحتجاجات طوال العام الماضي بين الحين والآخر ولم تهدأ رغم الانحسار الذي شهدته في بعض الاحيان.
وقد تحول يوم 12 حزيران (يونيو) 2009 الى نقطة انعطاف في تاريخ نضال الشعوب الايرانية من اجل الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.
وانطلقت المظاهرات الاساسية التي بلغت نحو 4 ملايين شخص في طهران يوم 15 حزيران من العام الماضي (وفق تصريح رئيس بلدية العاصمة الايرانية قاليباف)، بشعار "أين صوتي؟" مطالبةً المرشحين المغبونين ميرحسين موسوي ومهدي كروبي باستعادة اصواتها.
وقد استغلت الحركة المعارضة التي وُصفت في ما بعد بالحركة الخضراء، المناسبات الرسمية للتظاهر والتعبير عن نفسها وذلك بعد اعتقال المئات من قادة الاصلاحيين ومنهم نساء وطلبة واساتذة وصحافيون ووزراء ونواب سابقون.
وكلما تمادت السلطة الايرانية وعلى رأسها مرشد الجمهورية الاسلامية اية الله علي خامنئي في قمعها للحريات وعدم تجاوبها مع المطالب الاولية للجماهير المحتجة، كلما تطورت شعارات حركة المعارضة الى شعارات اكثر راديكالية كـ"الموت للديكتاتور"، لا بل طُرحت شعارات مثل "الموت لولاية الفقيه" و"خامنئي قاتل، ولايته باطل".
وتمكنت السلطة الايرانية خلال الاثني عشر شهراً المنصرمة من ان تحد من حضور الناس في الشوارع وذلك باستخدامها الرصاص الحي لمواجهة المظاهرات السلمية واغتيال العشرات من المتظاهرين واعتقال المئات وتعذيب المعتقلين واغتصاب النساء والرجال في السجون. لكن كل هذا لم يؤد الى اخماد الحركة الاحتجاجية نهائيا، اذ لا يزال زعماؤها يتحركون والطلبة يتظاهرون في الجامعات والمجتمع يغلي ويبدي استياءه بشكل او آخر. ويمكن القول ان الحركة هي حاليا كالنار تحت الرماد ويمكن ان تشتعل اينما سُنحت لها الفرصة.
بعد عام على مرور الانتخابات الرئاسية لم يستطع النظام الايراني اجتثاث المعارضة من جذورها وهي التي تشمل فئات واسعة من الشعب الايراني، ولم تتمكن الحركة الخضراء من اجباره على التزحزح عن مواقفه.
اي ان السلطة الايرانية لم تتحول الى حكومة عسكرية كاملة كما هو قائم في بورما مثلا، ولا المعارضة انكسرت كما انكسرت في روسيا البيضاء بل ان الاخيرة تحاول ان تفرض نفسها كـ"معارضة" في اطار النظام شاء ام ابى. فهناك توازن سياسي دقيق قائم بين السلطة والحركة الخضراء المعارضة.
وتعود الاسباب الفنية التي ادت الى هذا التوازن حتى الساعة الى تركيبة المعسكرين المتخاصمين وخاصة تركيبة السطلة الحاكمة في طهران. صحيح ان هذه السلطة تنتمي الى معسكر المحافظين الاصوليين وتتسم بالتشدد لكنها ليست منسجمة مع نفسها مئة في المئة كي تستطيع ان تفرز او تنجب ديكتاتورا من نوع صدام حسين. اذ ان المحافظين الاصوليين في البرلمان يعارضون المحافظين المتشددين في الحكومة وعلى رأسهم محمود احمدي نجاد في العديد من الامور.
كما انه رغم ضغوط المتشددين كاحمدي نجاد وقادة الحرس الثوري وبعض العناصر المتنفذة في الامن والسلطة القضائية لم يرضخ مرشد الثورة علي خامنئي لهذه الضغوط وخاصة ما يتعلق منها بإعتقال زعميمي المعارضة، ميرحسين موسوي ومهدي كروبي.
خامنئي لم يفعل ذلك، ليس حبا لهؤلاء الاثنين بل انه يخشى اذا قام بمثل هذا العمل ان يؤدي الامر الى استقواء الجناح المتشدد المتربص للوثوب الى قمة السلطة؛ الامر الذي يمكن ان يتسبب في انقضاض المتشددين عليه. اذ يعلم خامنئي ان احمدي نجاد وبعض قادة الحرس الثوري يغازلون المرجع المتشدد في قم اية الله مصباح اليزدي في السر والعلانية.
كما ان مرشد الجمهورية الاسلامية يتصور ان اعتقال ميرحسين موسوي ومهدي كروبي يمكن ان يجعلهما بطلين في عيون الشعوب الايرانية ويؤدي الى انفجار في الوضع السياسي يهدد السلطة برمتها.
ويضم معسكر المعارضة ايضا، رغم انسجامه الظاهري واسمه الاخضر، اتجاهات سياسية والواناً مختلفة قاسمها المشترك هو الميل للتغيير واصلاح الوضع القائم في البلاد. واذا تحدثنا بالارقام، فان نحو 20 في المئة من الايرانيين الذين يصطفون في هذا المعسكر المعارض يريدون اسقاط "نظام الجمهورية الاسلامية" باكمله وهم الذين يطرحون شعار "الموت لخامنئي" و"الموت لولاية الفقيه" و"خامنئي قاتل وولايته باطلة" وشعارات راديكالية اخرى من هذا النوع.
لكن 40 في المئة من الايرانيين هم مع النهج الاصلاحي ويريدون الاصلاح في اطار النظام القائم، ويؤكدون ضرورة اطلاق المعتقلين السياسيين من السجون وضمان حرية الصحافة واجراء انتخابات حرة في البلاد.
كما ان نحو 10 – 20 في المئة من الايرانيين ما زالوا يؤيدون النظام الحالي. ولم يحدد 20 – 30 في المئة من الايرانيين موقفهم بعد ازاء السلطة والمعارضة وهم ينتظرون ما تؤدي اليه الاوضاع السياسية في البلاد ليتخذوا موقفهم. فكلما تطورت المعارضة واتسع نطاقها، كلما تمكنت من كسب ايجاد ثغرات في صفوف المؤيدين للنظام والحكومة وكسب الفئات المحايدة.
ولايمكن للوضع في ايران ان يستمر على ما هو عليه طويلا، اذ تعاني البلاد من أزمة سياسية واقتصادية تتعمق يوما بعد يوم. وتغيير الموازنة بين السلطة والمعارضة يعتمد على: اولا ما تشهده الساحة الداخلية من اصطفاف سياسي واجتماعي وثانيا ما تؤدي اليه الضغوط الدولية ومنها العقوبات على سلوك السلطة الحاكمة في ايران.
________________
* كاتب وصحافي عربي ايراني
http://www.alquds.com/node/265692
المصدر : القدس اون لاين