القسم: Women's Rights التعليقات 0

العنف الأسري، لماذا يتنامى في مجتمعاتنا؟

العنف العائلی



المتوسط اونلاين - المألوف في ثقافة المجتمع الذكوري هو ان العنف "حق" خاص بالرجل وحده. إلا أن هذه الصورة، لم تعد خالصة. ففيما يؤكد خبراء في علم الاجتماع أن العنف الموجه ضد النساء آخذ في التصاعد، فانهم يسجلون أيضا أن نسبة الرجال ممن يتعرضون للعنف من جانب زوجاتهم تتصاعد أيضا لكن العادات الاجتماعية تمنع كثيرا من الحوادث من الافتضاح، اللهم إلا إذا وصل العنف إلى درجة الجريمة كالقتل.
وتغيب الدراسات الدقيقة التي تبين نسبة تنامي العنف الأسري في المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة، لكن الثابت أن العنف الأسري بات من أشهر أنواع العنف انتشاراً، وبدأت آثاره تظهر بشكل ملموس على السطح مما يدفع أطراف المجتمع إلى التحرك بصفة سريعة وجدية لوقف هذا النمو وإصلاح ما يمكن إصلاحه.
وتدفع المشكلات المادية وصعوبات العمل وتدني الثقافة إلى ممارسة العنف بين الرجل والمرأة، أو على الأطفال. وفي بعض الأحيان تعتقد الأم التي قد تعرضت للعنف، أن ما تقوم به من عنف تجاه أولادها هو أمر عادي كونه مورس عليها سابقاً، وعليها أن تفعل الشيء نفسه.
ويُجمع الخبراء على أن غياب البيانات التفصيلية يعقّد من تقدير حجم المشكلة التي تظهر المؤشرات أن أكثر ضحاياها هم من النساء بشكل أساسي، ولكن يعاني منها أيضا الأطفال وحتى كبار السن في مجتمع يواجه تغيرات اقتصادية واجتماعية أثرت على بنيانه.
ويشدد المهتمون بدراسة هذه المشكلة على أن العنف الأسري تنعكس خطورته بالأساس على شخصية الأطفال ممن يتربون في أسر غير مستقرة، ورغم طرح الظاهرة بصفة تكاد شاملة في مؤتمر عمان وغيره من المؤتمرات الأخرى، إلا أن السؤال الذي لم يجد الجواب الشافي، هو لماذا يتنامى العنف داخل الأسر العربية؟ هل هو ثقافة موروثة أم نتاج لضغوط الحياة المعاصرة، أم هناك أسباب أخرى يتغاضى الباحثون عن طرحها؟
المقصود بالعنف الأسري بالدرجة الأولى هو ما تتعرض إليه المرأة من أعمال مؤذية ومهينة جسديا ومعنويا، ويقع أغلبه خلف جدران المنازل وتحت مظلة الترابط الأسري. وقضايا العنف لم تكن تناقش في الماضي بشكل علني لنظرة الكثير من الناس لها بوصفها أمورا عائلية خاصة، لكن مع تفشي ثقافة احترام حقوق الإنسان في العالم ونشاط الحركات النسوية ومطالبتها باحترام حقوق المرأة والمحافظة على آدميتها، أصبحت ظاهرة العنف الأسري تناقش كمشكلة اجتماعية، جديرة بالدراسة والبحث، بعد كسر حاجز الصمت الذي يشكل أكبر تحد لظاهرة العنف الأسري في العالم العربي.
ورغم أن كل المجتمعات تتساوى في ظاهرة العنف الأسري إلا أن الفارق كبير بين مجتمعاتنا والمجتمع الغربي. إذ أن المجتمع الغربي يعترف بوجود هذه المشكلة، ويعمل على معالجتها بوسائل عديدة وعلى أساس علمي، بينما المجتمعات العربية مازالت تعتبرها من الخصوصيات العائلية، بل من الأمور المحظور تناولها حتى مع أقرب الناس. ويفرز التغاضي عنها طويلا إلى ظهور تداعيات تنعكس على مستقبل حياة الأبناء.
وتشير الدراسات النفسية إلى أن خلافات الوالدين ومشاجراتهما قد تؤثر سلباً في الحياة الزوجية لأبنائهما مستقبلاً، حيث إن انتقال الصراع الزوجي من جيل إلى آخر ينتج عندما لا يتعلم الأبناء مهارات التحدث وسلوكيات التواصل والتفاهم بسبب مشاهدتهم ومراقبتهم للخلافات التي تحدث بين آبائهم وأمهاتهم وكيف يتعاملون بعضهم مع بعض بشكل سلبي.
وتقول هيفاء أبو غزالة الأمينة العامة للمجلس الوطني لشؤون الأسرة في الأردن إن مشكلة العنف الأسري جسديا ولفظيا ونفسيا تتفاقم نتيجة نقص الوعي بضرورة التبليغ عنها وقت حدوثها.
وأضافت خلال مؤتمر عقد في الأردن العام الماضي حول الأسر العربية، أن الدول العربية تعاني من المشكلة نفسها المتمثلة بعدم معرفة حجم القضية، وبالتالي صعوبة وضع برامج متوازية لمعالجتها، وقالت "المرأة تخجل من الإفصاح عن تعرضها للعنف على يد زوجها أو أبيها أو أخيها، والطفل يخاف ويعتقد أنه أمر عادي، مما يمنعهم من التبليغ للجهات المسؤولة".
ورصد خبراء انه في حين أن بعض الدول مثل الأردن وتونس سارت بخطوات نحو تحديد حجم المشكلة وبدأ البعض خطوات للتصدي لها، فان دولا أخرى لازالت تفتقر إلى وضع البرامج المطلوبة للحد منها خاصة لافتقارها لمؤسسات رصد ومعالجة حالات العنف الأسري، في حين أن دولا أخرى مازالت تشرع ولو بطرق غير مباشرة.
وكان احد القضاة السعوديين ويدعى حمد الرزين افتى بعدم كراهة أن يصفع الزوج زوجته لتبذيرها المال على مقتنيات غير ضرورية، الأمر الذي أثار جدلا حول ما إذا كان هناك وجه آخر للمشكلة، يحاول البعض أن يضفي عليه طابع القبول الديني. وقال هذا القاضي "إذا منح شخص ما زوجته 1200 ريال سعودي أنفقت منها 900 ريال لشراء عباية من متجر معين فصفعها زوجها ردا على ما قامت به، فإنها تستحق هذا العقاب".
ولكن ما لم يكن بوسع الشيخ الرزين الإجابة عنه: هو ما هو موقف الزوجة مثلا إذا كان الزوج هو المبذر؟
تقول دراسات سعودية إن نحو 92 في المئة من النساء المتزوجات في المملكة يتعرضن للعنف، ويأتي العنف النفسي في المرتبة الأولى، يليه العنف الجسدي، ويبقى العنف الجنسي في المرتبة الأخيرة.
والمخيف حسب الباحثين ليست الظاهرة في حد ذاتها وإنما عواقبها وتداعياتها، إذ أن العنف الأسري ينتج جملة من الآثار منها أن من يُمارس عليه العنف قد يلجأ للانتقام. وفي واقع الحال فإن المرأة ربما تتعمد اهمال الإهتمام بزوجها وبأسرتها، في مسعى منها لرد الاعتبار. ولكن غالبا ما تكون النتائج المتراكمة عن هذه المحاولة أسؤأ، وقد تنتهي بتدمير الزواج نفسه. وفي بعض الحالات النادرة، ربما تجد بعض النساء في الخيانة الزوجية طعنة قاتلة معنويا ثأرا لكرامة يتم هدرها باستمرار وبقسوة. وهنا أيضا، فأن ردة الفعل قد تقود إلى عواقب وخيمة أكثر.
أما الحلول المقترحة فبعضها تنظر بعين واحدة، او تقترح معالجات جزئية، من قبيل التعويل على زيادة الوعي العام، دون النظر الى معالجة الجذور الثقافية التي تغلف العنف أحيانا بغلاف شرعية دينية لم تعد مقبولة او محتملة. أو هي مجرد تخمينات لما يمكن عمله إلا انها لا تجد الطريق لأن تكون آلية نافذة تعمل على تطبيقها مؤسسات سواء تابعة للدولة أو هياكل للمجتمع المدني.
المفارقة هي ان العنف الأسري لا يرتبط بالضرورة بمقدار التقدم الاقتصادي، او بحجم التشريعات والقوانين التي يراكمها المجتمع للحد من هذه الظاهرة. وفي بعض الأحيان، فان الفقراء والأغنياء، المتقدمون وغير المتقدمين، يظهرون وكأنهم يمارسون السلوك المشين نفسه.
ولكن الحل ربما يبدأ من وقف التبريرات. وسواء كانت هذه التبريرات صادرة من رجال دين أو من تقاليد، فانها يجب ان تتوقف. فالعنف سلوك مشين كائنا ما كان سببه، ولا شيء يبرره. وربما كان الأولى بالمجتمع ان يعيد بناء نظرته لـ"حق" الرجل المسبق يضرب المرأة، وأن يزيله من الوجود. وصفع الرجل للمرأة يجب ان ينظر اليه على انه، ببساطة، عمل جبان، ويجب التخلص منه كائنا ما كان المبرر.

مشاركات القراء

التعليقات (0)

 

 
لوحة التحكم - تسجيل الخروج