اطفالنا فريسة لسوق العبودية والحاجة

تشكل عمالة الأطفال واحدة من اهم مظاهر الفقر والتخلف. ولكنها، أسوأ من ذلك، تشكل علامة على "تأصيل" ورسوخ وأبدية الفقر والتخلف. فالأطفال الذين يفترض ان يكونوا جيل المستقبل، لا يفقدون الفرصة في التعليم، إلا ويفقد مجتمعهم معها الفرصة في النمو والتطور.
والأطفال الذين يعملون من اجل أن يساهموا في تدبير معشية عوائلهم، إنما يخسر مجتمعهم برمته مساهماتهم في تدبير رخائه وإزدهاره في المستقبل.
وهذه كارثة قلما انتبه اليها المسؤولون الحكوميون في الكثير من ارجاء العالم العربي، الذين يشاهدون أطفالا يقومون باعمال رثة في الأسواق والشوارع ولا تتحرك مخاوفهم من ان الأمر يعني ضياع طبيب ومهندس ومعلم من أيدي المجتمع.
ومن المعروف ان "عمالة الأطفال" مصطلح مثير للجدل، فهناك من يعتبر طلب أحد الوالدين من طفلهم أو طفلتهم أن تجلب لها قدحا من الماء عملا غير إنساني يدخل ضمن عمالة الأطفال ويجب أن يتوقف، وآخرين يعتبرون عمل الطفل جزء من تنشئته، وهناك من يرسل أبناءه إلى سوق العمل حتى يتعلموا كيف ينخرطون في المجتمع. وبين هذا وذاك كثيرون ممن تضطرهم ظروف الحياة الصعبة إلى دفع أبنائهم رغما عنهم إلى العمل كي يساهموا في مساعدة العائلة.
ولكن هناك من "عمالة الأطفال" ما يبدو وكأنه أحكام بالأشغال الشاقة يقع الأطفال ضحية له من دون جرم سوى أنهم أطفال.
وظاهرة تشغيل الأطفال ما تزال تثير قلق العديد من الناشطين الحقوقيين، وما تزال تشكل تحديا حقيقيا أمام كل المجتمعات في ظل ازدياد نسبة الفقر وانعدام الوعي الحقيقي بآثارها السلبية على فرص تطور الأطفال. كما أن هذه الظاهرة تتعارض مع مجمل القيم الإنسانية والأخلاقية التي تقوم على أساسها أغلب المجتمعات الحضارية اليوم. فمُزاولة الطفل للعمل في سن مبكرة يشكل تهديدا مباشرا لسلامته وصحته ورفاهيته ويقف حجرة عثرة أمام تلقيه تعليما مدرسيا يوفر له مستقبلا أفضل.
وعلى الرغم من اختلاف أسباب انتشار هذه الظاهرة من دولة إلى أخرى، إلا أن ظروف تشغيل الأطفال غالبا ما تكون متشابهة. ويُعزو الناشطون في المنظمات الدولية سبب انتشار تشغيل الأطفال بالدرجة الأولى إلى جشع أرباب العمل وإلى الفقر المدقع الذي تعاني منه أسر هؤلاء الأطفال. كما يُعتبر النظام الاقتصادي المُعولم جزءا من هذه المشكلة، ولو بشكل غير مباشر، فالعولمة ساهمت في تسريع حركة نقل رؤوس الأموال من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة التي تعد خزانا كبيرا لليد العاملة الرخيصة، وهو ما يزيد من تفاقم هذه المشكلة.
وحول تشغيل الأطفال في العالم العربي، يقول الدكتور حبيب بوهرور (من الجزائر)، أن الأسباب تتباين من مجتمع إلى آخر، كاشفا أن إحصاءات منظمة العمل الدولية تظهر أن 13 مليون طفل عامل في الدول العربية يجبرون على القيام بأعباء لا إرادية لا تتماشى مع بنيتهم الجسدية، ما يؤدي إلى تهديد سلامتهم النفسية والجسدية وصحتهم ورفاهيتهم. وتحتل منطقة المغرب العربي الصدارة بـ6.2 مليون طفل، بينهم 3.1 مليون تراوح أعمارهم بين 6 سنوات و 13 سنة.
مخاطر جسدية
ويعمل الأطفال في العالم العربي في معظم مجالات العمل المتاحة، فهم يعملون في زراعة التبغ في جنوب لبنان وقطف الياسمين في مصر والزراعة في الريف اليمني والمغربي وصيد الأسماك في اليمن والخدمة في المنازل وفي ورشات إصلاح السيارات أو بيع الحاجيات والقيام ببعض الخدمات البسيطة كغسل السيارات أو صبغ الأحذية في الشوارع في معظم الدول العربية.
وقد يتعرض الأطفال العاملون في الأعمال الشاقة لتشوهات جسدية في العظام والفقرات وحالات نفسية صعبة لأن أجسامهم وعقولهم غير مهيأة بعد للعمل الشاق. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن اثنين وسبعين في المئة من الأطفال العاملين في خدمات المنازل، ومعظمهم من الإناث، يبدأون عملهم في الساعة السابعة صباحا وأن خمسة وتسعين في المئة منهم لا يتوجهون إلى النوم إلا بعد الساعة الحادية عشرة مساء، وبالإضافة إلى ساعات العمل الطويلة وانخفاض الأجور فإن بعض هؤلاء الأطفال يتعرضون للإساءة البدنية والتحرش الجنسي من قبل أصحاب الأعمال أو القائمين عليها. كما تشير عديد الدراسات إلى أن ستين في المئة من الأطفال العاملين يتعرضون لمخاطر جسدية أثناء تأديتهم لعملهم، وكذلك يجدون أنفسهم في تماس مع مواد كيمائية قاتلة مثل المبيدات والمواد السامة التي أودت بحياة الكثيرين منهم. كما تكشف بعض الإحصائيات.
وأكدت دراسة ميدانية تتبعت ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن، تزايد معدلات تشغيل الأطفال بشكل لافت وخلال العامين الماضيين، 28% من الأطفال العاملين يقضون أوقاتا أطول في العمل خاصة من يعملون في المهن الشاقة. وكشفت الدراسة أن 15% من هؤلاء يتعرضون لإصابات عمل مختلفة تصل في بعض الأحيان إلى حد الإعاقة، فيما يشكو 9 % من الأطفال من انخفاض الأجور فضلا عن تعرضهم للمضايقات والعنف البدني والنفسي من قبل أصحاب العمل.
وجاء في الدراسة التي أعدها الاتحاد العام لنقابات عمال اليمن أن 43% منهم تتراوح أعمارهم ما بين 12 و14 عاما و19% ما بين 15 و18 عاما، كما أن ثلاثة بالمائة منهم، أميون. وأوضحت الدراسة أن 27% من الأطفال المشمولين بالدراسة يعملون كباعة متجولين و22% في ورش إصلاح السيارات والنجارة و14% في محلات بيع التجزئة و7% في المطاعم والمخابز و6% في المهن الزراعية و4% في التسول.
وبينت أن أبرز أسباب انخراط الأطفال في سوق العمل يرجع إلى اتساع نطاق الفقر وحاجة الأسر لعمل الأطفال لتغطية جزء من المصروفات، يضاف إلى ذلك تسرب الأطفال من المدارس لأسباب اقتصادية واجتماعية وتزايد الأعباء المعيشية نتيجة سياسات تحرير الأسعار والتوجه نحو اقتصاد السوق.
وتنشئ الحكومة اليمنية سلسلة برامج للحد من ظاهرة تشغيل الأطفال بالتعاون مع منظمة اليونسيف ومنظمة العمل العربية وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي بعد ان تنامت الظاهرة بشكل كبير خلال السنوات الماضية حيث تشير الإحصائيات إلى وجود 400 ألف طفل عامل في اليمن يعملون في مهن لا تتناسب مع أعمارهم، إلى جانب وجود مليوني طفل لا يدرس ولا يعمل لأن 22% من الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي لا يلتحقون بالمدارس سنويا، الأمر الذي يمكن أن يرفد ظاهرة تشغيل الأطفال بالمزيد من المنخرطين في سوق العمل ويعزز من ذلك التركيبة السكانية، فنحو 79% من سكان اليمن البالغ تعدادهم 19 مليون نسمة هم من الأطفال والشباب تحت سن 24 عاما.
ورغم أن العديد من الدول العربية مثل الجزائر ومصر والعراق والأردن وليبيا والمغرب وتونس والإمارات واليمن قد صادقت على الاتفاقية الدولية لاستخدام الأطفال لعام ثلاثة وسبعين الخاصة بالحد الأدنى لعمل الأطفال، إلا أن هناك دولا عربية اخرى رفضت المصادقة عليها لأنها تلزمها بأمور أخرى مثل مجانية التعليم وإلزاميته، مع العلم أن الاتفاقية الدولية تحدد سن العمل الأدنى بثمانية عشر عاما للأعمال الخطرة وثلاثة عشر عاما للأعمال الخفيفة، وينخفض سن العمل حسب الاتفاقية في الأعمال الخفيفة إلى اثني عشر عاما في الظروف القاسية.
مكافحة ظاهرة تشغيل الأطفال
ويفتح غياب القوانين الرادعة والضرورية لمكافحة هذه الظاهرة، الباب على مصارعه أمام استغلال الأطفال كأيدي عاملة رخيصة. وفي ظل غياب الوازع العقلاني والأخلاقي يُحرم الطفل من حقوقه التعليمية والصحية والترفيهية. وفي هذا الشأن تتزايد الأصوات المنادية بتفعيل القوانين الكفيلة بحماية الأطفال من أبشع طرق الاستغلال، إضافة إلى استحداث آليات تطبيق جديدة لدعم التشريعات القانونية. ومن المعروف أن أغلب الدول العربية تعاني من تفاقم مشكل عمالة الأطفال، حيث أكدت بعض الإحصائيات أن قرابة 600.000 طفل مغربي، تتراوح أعمارهم بين 5 و14 سنة ودعوا طفولتهم في وقت مبكر وخرجوا للعمل لإعالة أسرهم.
لا يمكن القضاء على ظاهرة معينة إلا إذا عولجت الأسباب التي أدت إلى ظهورها، ومن هنا فإن القضاء على ظاهرة عمالة الأطفال يتأتى من خلال معالجة الفقر الذي يدفع بالعائلات المعوزة إلى تشغيل أطفالها. وإذا كان القضاء على الفقر أمرا صعبا فإن بالإمكان توعية المجتمع بأن عمل الأطفال يؤثر نفسيا وجسديا عليهم وينذر بتدهور مستواهم المعيشي والثقافي بل وحتى السلوكي في المستقبل.
المتوسط اونلاين