القسم: Articles التعليقات 0

ايران في ذكرى الثورة: من ربيع الحرية إلى خريف الاستبداد

مضاهرة في ساحة آزادي



"إن احد النتائج الطبيعية لحكم رجال الدين هو الاستبداد". هذه مقولة شهيرة للمفكر الاسلامي والباحث الاجتماعي الايراني المعروف علي شريعتي المتوفى عام 1977، قالها في احدى محاضراته عام 1970، اي حوالي 9 سنوات قبل إنتصار الثورة وسيطرة رجال الدين على السلطة في ايران. ويمكن للمتتبع للشأن الايراني أن يلاحظ وبقليل من العناء مدى صحة هذه المقولة اليوم ومدى انطباقها على الواقع في ايران وكيف انها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الواقع السياسي الايراني طوال العقود الثلاثة الاخيرة.
لقد وظف النظام الايراني ومنذ البداية بنجاح كبيرالعامل الديني والعامل القومي لتحقيق أغراضه وأهدافه من أجل الانفراد والبقاء في السلطة. ومزج الاثنين شكل وما زال يشكل المكون الاساسي لنخاع الهيكل السياسي للنظام القائم في ايران.
فبعد اشهر قليلة فقط على قيام الثورة الايرانية وجه النظام حربته ضد القوميات غير الفارسية المطالبة بحقوقها القومية ممارسا ضدهم شتى انواع القمع والاضطهاد.
جاء هذا بعد فترة وجيزة مما كان يسمي بـ "ربيع الحرية"، تخللتها اجواء من الانفتاح والديمقراطية، افرزتها ظروف ما بعد الثورة، لم تشهدها ايران من قبل. لقد شاركت الشعوب الايرانية والقوى السياسية بكل أطيافها واتجاهاتها من دينية وعلمانية ويسارية وليبرالية وغيرها في الثورة بشكل فعال من أجل تحقيق أهدافها وآمالها في بناء ايران حرة ديمقراطية قائمة على اساس التعددية والعدل والمساواة.
لكن سرعان ما تبددت هذه الاحلام وساد العنف في أرجاء البلاد. فشرع النظام أولا بتضييق الخناق على الحركات القومية في اقاليم الاهواز وكردستان وبلوشستان والتركمان واذربايجان، ومن ثم مهاجمتها واقتحام مؤسساتها السياسية والثقافية واحدة تلو الاخرى بحجة ان هذه الحركات انفصالية ومرتبطة بالخارج ومعادية للاسلام، وتمثل خطرا على وحدة البلاد. وكان حصيلة ذلك سقوط ألاف القتلى والجرحى من ابناء الشعوب الايرانية. وكانت تلك بداية لاعمال القمع وسلب الحريات المدنية والملاحقات وعمليات الاعدام ضد نشطاء الحركات القومية.
وشهدت تلك الفترة تطبيق الاحكام العرفيه غير المعلنة في تلك المناطق وخاصة اقليم الاهواز ومدينة المحمرة (خرمشهر) بالذات التي شهدت هجمة شرسة من قبل القوات التابعة للسلطة واحداث دموية سقط خلالها المئات من المواطنين العرب. وبينما كانت المدن الكبرى وخاصة طهران لاتزال تتمتع بقدر نسبي من الحرية والانفتاح، عمت بقية الاقاليم الايرانية ذات الاغلبية غير الفارسية اجواء من القمع والاضطهاد، ولجأ الكثير من ابناء الاقليات القومية الى النضال السري و العمل المسلح.
وصرح حينها اية الله خلخالي الذائع الصيت بقسوته ودمويته بانه لن يرحم اؤلئك "الذين يعادون الله والثورة وسينزل اشد عقوبة بهم". وفي صدد عشوائية اصداره احكام الاعدام نقل عنه قوله: "لو كان المتهم مذنبا فسيذهب الي جهنم، و لو كان بريئا واعدم عن طريق الخطأ فسيذهب الي الجنة!" ومعروف عنه بان كان يحضر شخصيا ويصدر احكام الاعدام ضد المتهمين. حتى انه عند اندلاع الحرب العراقية – الايرانية جاء شخصيا الى مدينة الخفاجية، احدى مدن الاهواز(عربستان)، واصدر احكاما بالاعدام بحق 12 مواطنا عربيا بتهمة الخيانة والتعاون مع القوات العراقية، كان من بينهم المواطن شبل شرهاني الذي كان يقضي حكما بالسجن صدر بحقه قبل اندلاع الحرب!
في ظل مثل هذه الظروف بدات الجماعات الدينية المتشددة وبالتعاون مع اولئك الليبراليين الذين ما زالت تجمعهم مصالح مشتركة معهم وعلى راسهم بني صدر رئيس الجمهورية انذاك، بالتحضير والتخطيط لبسط سيطرتها على الجامعات الايرانية التى اصبحت معقلا لنشاط المعارضة اليسارية. فأطلق النظام في ربيع عام 1980 ما كان يسمي بـ " الثورة الثقافية" جرى خلالها مداهمة واقتحام الجامعات الايرانية ومنها جامعة جندي شابور في مدينة الاهواز التي شهدت أسوأ احداث دموية علي مستوي ايران. اسفرت تلك الاحداث عن مقتل واعتقال واعدام اعداد كبيرة من الطلبة والاساتذة والاكاديميين. كما تناقلت انباء عن حدوث عمليات اغتصاب ضد عدد من الطالبات.
من جهة اخرى قامت القوات الحكومية والحرس الثوري بهجوم ثان، بعد فشل الاول قبل أقل من عام تقريبا، ضد المنظمات والاحزاب الكردية المسلحة في اقليم كردستان. فاجتاحوا مدينة سنندج، معقل الحركة الكردية، وسيطروا عليها ومدن اخرى بعد اشتباكات دامية مع المسلحين الاكراد. اسفرت تلك المعارك حسب تقارير موثوقة آنذاك عن سقوط اعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين صفوف الاكراد. حتى قيل حينها ان الجثث ظلت منتشرة فى شوارع المدينة لأيام تنهش بها الكلاب الضالة.
جاءت الحرب العراقية الايرانية لتقضى في الحقيقة على آخر ما تبقى من مظاهر الانفتاح السياسي النسبي، سواء كان داخل المؤسسة الحاكمة ام خارجها. أوجدت الحرب في بادئ الامر حسا قوميا عارما لدى جميع القوى والاحزاب الايرانية تقريبا على اختلاف توجهاتها ومعتقداتها - ويشمل هذا اليسار ومجاهدى خلق - وألهبت المشاعر الدينية والمذهبية وعززت وحدة البلاد، لكن كل ذلك لم يدم طويلا اذ غيرت قوى اليسار مواقفها ازاء الحرب فيما بعد وحتى ان غالبيتها اخذت تعتبرها حربا رجعية وتعارضها.
كان التيار الديني المتشدد والمؤسسات السياسية والعسكرية التابعة له كحزب الجمهورية الاسلامية وقوات حرس الثورة والبسيج (التعبئة)، تحضر لتوجيه ضربتها الاخيرة ضد معارضيها والمختلفين معها، ويشمل هذا بني صدر واتباعه، من اجل احكام سيطرتها المطلقة على الساحة السياسية في البلاد وحسم الموقف بصورة نهائية.
وكانت الحرب الدائرة هي الظرف الامثل لتمرير مخططها. بلغ الصراع ذروته عام 1981 وحدث الصدام في حزيران من نفس العام والذي عرف فيما بعد باحداث يونيو(حزيران) الدامية، بعد مداهمة قوات حرس الثورة وعناصر "حزب الله" المتشددة لمكاتب رئاسة الجمهورية(بني صدر) ومقرات المنظمات اليسارية كفدائي الشعب ومجاهدي خلق وطريق العامل وغيرهم. وعمت البلاد اعمال عنف واشتباكات مسلحة كانت اقرب الي حرب اهلية، راح ضحيتها عدد كبير من انصار وكوادر التنظيمات والأحزاب السياسية. وتبعتها حملة اعتقالات واسعة واعدامات عشوائية طالت حتى اولئك الذين كانوا يقضون من قبل احكاما بالسجن، أمثال رضا سعادتي، احد كوادر مجاهدي خلق، وسعيد سلطان بور، من كوادر فدائيي الشعب وشاعر معروف، اللذين اعدما بدوافع انتقامية.
وردت المعارضة وتحديدا جماعة مجاهدي خلق باعلانها الكفاح المسلح الذي وجهت خلاله ضربات موجعة للنظام وقامت بعمليات عسكرية واغتيالات ضد عناصر معروفة من اركانه. كما قامت بتفجير مقرات ومؤسسات رسمية تابعة له، ومنها مقر حزب الجمهورية الاسلامية، ومكتب رئيس الوزراء، اودى بحياة اية الله محمد بهشتي، احد مؤسسي الحزب ورئيس مجلس القضاء الاعلي، و70 شخصا معه وكذلك رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس وزرائه باهنر في حادثين منفصلين بعيد احداث حزيران.
ويمكن اعتبار تلك المرحلة بانها الفصل النهائي والاخير لما كان يسمى بربيع الحرية وبداية للقمع الشامل وسلب الحريات السياسية والمدنية وهو وضع إستمر الى يومنا هذا.
وما تشهده الساحة السياسية اليوم في ايران ليس بمعزل عما جرى قبل حوالي ثلاثة عقود. فهو امتداد لإشكاليات أساسية ولدت مع الثورة أو بالاحرى واكبت ولادتها. ففكرة اقصاء الغير والنهج الاستبدادي كان حاضرا منذ البداية ومتأصلا في رؤية وايديولوجية أؤلائك الذين أحتكروا السلطة فيما بعد.
يواجه النظام اليوم أكبر تحد له منذ قيام الجمهورية الاسلامية. كما تواجه الحركة الاصلاحية هي الاخرى أصعب اختبار لها منذ حكم الرئيس السابق محمد خاتمي في أواخر تسعينات القرن الماضي. في ظل الازمة السياسية المتصاعدة التي تعصف بالبلاد وحدة الصراع القائم يبدو أن الجانبين (التيار المتشدد والاصلاحي) غير مستعدين لتقديم أية تنازلات. وقد
قطعت الحركة الاصلاحية شوطا كبيرا لم يعد بمقدورها أن تتراجع عن مطالبها بالرغم من الشائعات أو الهمسات التي سمعت في الآونة الأخيرة حول احتمال حدوث صفقة أو مساومة بين الجانبين.
ما هو واضح هو أن الاوضاع لن تعود لما كانت عليه قبل الانتخابات الرئاسية العام الماضي. ولا يمكن "إعادة الجني" داخل الزجاجة مجددا. حاليا تواجه الحكومة بل والنظام أساسا إزمة شرعية لا يمكن تفاديها أو التغاضي عنها بمجرد إلقاء خطب حماسية في صلاة الجمعة أو تصريحات رنانة. وحتى لو جرت مساومة بين الطرفين فإن الوضع في ايران لم يعد يحتمل أي حلول توافقية ولايرضى بأقل من ديمقراطية حقيقية ونظام قائم على التعددية وهو - كما تشير الشواهد طيلة العقود الثلاثة الماضية - ما لا يمكن أن يتحقق في ظل حكم الجمهورية الاسلامية.
غدا ستشهد طهران وباقي المدن الكبرى إحتفالات بالذكرى الحادية والثلاثين للثورة الايرانية سيشارك فيها الموالون للحكومة وأنصار الحركة الاصلاحية. وقد تشهد ايران مزيدا من الاحتجاجات وربما مزيدا من العنف قد يتبعه كما في كل مرة مزيدا من القمع والاعدامات.
وبهذا ستزداد، كما يعتقد غالبية الايرانيين، الهوة بين النظام والجماهير وستتفاقم الأزمة. فهل سيتمكن الاصلاحيون وقادته من إثبات دورهم كقوة فاعلة في ايران قادرة على تحقيق آمال الشعب وطموحاته في الحرية والديمقراطية؟ أم أن الشعب سيختار طريقه بنفسه كما فعل في 22 بهمن (11 فبراير/شباط) عام 79. لقد طال خريف الاستبداد في ايران فهل يا ترى سنرى طلوع ربيع الحرية من جديد.
المصدر: القدس اونلاين

مشاركات القراء

التعليقات (0)

 

 
لوحة التحكم - تسجيل الخروج