هل نحن على أعتاب "ثورة بهمن" ايرانية جديدة؟

جانب من المواجهات بين الجيش والمتظاهرين أثناء الثورة الايرانية 79
لم يكن في حسبان الشاه أن ليس أمام نظامه سوى أشهر قليلة للاستمرار حين قال جملته الشهيرة عام 78 مخاطبا الجماهير الثائرة في شوارع ايران لكسب تعاطفها: "لقد سمعت صوت ثورتكم". يعتقد بعض المحللين الايرانيين أن ذلك كان إعترافا من الشاه بضعف النظام وتزلزله وشكل بداية لسقوطه وأن الخطاب جاء متأخرا. فقد أريقت دماء كثيرة وقطعت الثورة شوطا كبيرا ووصلت الأمور الى نقطة اللاعودة. فكل خطوة إتخذها نظام الشاه كانت متأخرة عن سابقتها. في حقيقة الامر أن كل ما قدمه الشاه من تغييرات وإصلاحات وتنازلات خلال الفترة الاخيرة من حكمه، وبعضها أو غالبيتها كانت ليبرالية وجذرية - كحرية الصحافة وتشكيل الأحزاب وحرية البيان وإطلاق سراح السجناء السياسيين واعتقال ومعاقبة الساسة والمسؤولين بتهم الفساد والقيام بتجاوزات، ومن بينهم رئيس الوزراء السابق أمير عباس هويدا – كل ذلك لم يكن كافيا ولم يرض الجماهير الغاضبة. كان الشعب هذه المرة يطالب برأس النظام ولم يقبل بأقل من ذلك.
ولو أقدم الشاه، وهو إفتراض قد يراه البعض ساذجا، على إصلاحات سياسية واجتماعية أساسية في أوائل السبعينات أو حتى أواسطها أي قبل اندلاع الثورة بفترة غير طويلة لربما كان بامكان نظامه أن يحيا ويستمر ولكان كل شئ مختلفا اليوم.
الكثير يتساءل هذه الايام: هل ايران تعيش اليوم ظروفا مماثلة لثورة بهمن (ثورة فبراير 79)؟ ليس بالضرورة. لكن المكونات الاساسية التي أوجدت ثورة بهمن (وهنا يجب القول بأن هذه هي التسمية الاصلية للثورة قبل ان تطلق عليها صفة الاسلامية) وفي الحقيقة كل الثورات في التاريخ، قائمة ومتوفرة. وهل الوقت متأخر بالنسبة إلى نظام الجمهورية الاسلامية؟ نعم. وبفترة ثلاثين سنة، يجزم مناوئو النظام.
بعد سقوط نظام الشاه السريع نسبيا طلعت نظرية تقول بأن الثورة ولدت مبكرة ولم يسمح لها أن تنضج. وقيل حينها أن رجال الدين بزعامة آية الله الخميني الذي قاد الثورة وأصبح الآن القائد المطلق للبلاد شعبيا، يريدون الحفاظ على أجهزة ومؤسسات النظام السابق ولايريدون حدوث تغيير أساسي وراديكالي للبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد، لكي لا تفلت الأمور من أيديهم ويكونوا قادرين على السيطرة على الاوضاع وازاحة وإقصاء جميع الاحزاب والمنظمات والتيارات الاخرى التي شاركت بفاعلية في الثورة، ومن ثم الانفراد في السلطة. وهذا ما حدث بالفعل. فمنذ السنوات الاولى، بل ومنذ الاشهر الاولى بعيد نجاح الثورة أقدم النظام على سحق الحركات القومية في الاقاليم الغير فارسية بلا رحمة، ومن ثم المنظمات والاحزاب العلمانية واليسارية كفدائيي الشعب(جناح الأقلية) وطريق العامل والاتحاد الشيوعي وغيرها والدينية التقدمية المحسوبة على اليسار كمجاهدي خلق، بدموية قل مثيلها في عصر ايران الحديث.
هل نحن ياترى أمام إستحقاقات ومساءلة تاريخية تضع الامور في نصابها وترد الحق لإهله؟ وهل ما نشهده هذه الايام هو إستمرار للثورة التي لم تكتمل أو لم يسمح لها أن تكتمل كما يقال، أم أننا أمام "ثورة بهمن(الشهر الحادي عشر حسب تقويم السنة الايرانية)" جديدة؟ سيان الأمر. فالثورات لا تأتي عفويا ولا يمكن إخمادها الى الأبد.
قد لا يتفق الكثيرون بالرأي حول مجرى الأحداث والمنحى الذي ستتخذه الحركة الأحتجاجية ومستقبلها، لكن لا يختلف إثنان حول حقيقة أن الحركة دخلت مرحلة جديدة بعد أحداث الأمس التي يعتبرها البعض بمثابة نقطة تحول في تاريخ الحركة القصير. فلم تعد مسألة إنتخاب أحمدي نجاد المسألة الأساسية ولا يجري الحديث كثيرا عن الإنتخابات. يبدو أن الشارع الايراني غير من مطالبه وأولوياته. من السهل أن يلاحظ المتابع للشأن الايراني حدوث تطورات مهمة خلال أحداث الأمس. إذ كسرت المحرمات وأطلقت شعارات أكثر راديكالية تستهدف صلب النظام، ومنها على سبيل المثال "اليوم يوم الدم، اليوم يسقط يزيد" .. "الموت لخامنئي" .. "إستقلال، حرية، جمهورية إيرانية" .. و"سأقتل كل من يقتل أخي" وغيرها. كما أنها المرة الأولى التي يهاجم فيها المتظاهرون رجال الشرطة والأمن بالحجارة وغيرها بشكل مباشر وأكثر تحديا.
ليس من المبالغة القول أن النظام يقف عاجزا أمام هذه الموجة العارمة من الاعتراضات. وبمعنى أدق لا يدري ما يفعل بالضبط. فلا يمكنه منع التظاهرات وضبط الاوضاع وحسم الموقف لصالحه الا باستخدام مزيد من القوة وهذا يعني إراقة المزيد من الدماء. وإن سمح للتظاهرات بالاستمرار فهذا يعني تراجعا وضعفا منه وسيؤدي الى تقوية المعارضة وتهديد موقعه بشكل خطير قد يؤدي في النهاية الى زعزعته وحتى سقوطه. وهذه في الحقيقة نفس المحنة التي كان يواجهها نظام الشاه الذي اختار الخيار الأول. فأي خيار سيختار نظام الجمهورية الاسلامية؟ على أية حال أيا كان الخيار فالوقائع تشير الى أن الامور تسير نحو التصعيد.
قال أحد المحللين إبان الثورة الايرانية قبل ثلاثين عاما في إشارة الى محاولة الشاه سحق الملالي: "إنهم كالسجاد الكاشاني (المعروف) كلما دسته إرتفعت جودته وبالتالي قيمته". فيا ترى بعد مرور ثلاثين عاما على تربعهم على عرش السلطة، أما كان من الأفضل لهم ولمكانتهم - لو إفترضنا صدق هذا القول - لو كانوا ظلوا سجاد كاشان.
القدس اونلاين