حال العرب في خواتيم 2009

Amr Hamzawy ديسمبر/كانون الأول، 2009
دون مبالغات صحفية أو تعميمات تجافى الواقع، يمر العالم العربى بلحظة بالغة الخطورة بها من التراجعات والتحديات الدولية والإقليمية والداخلية، ما يصعب مواجهته اليوم وسيثقل كاهل مجتمعاتنا ودولنا خلال الأعوام المقبلة.
دوليا، أصبح واضحا وبعد مرور عام على رئاسة أوباما أن الإدارة الأمريكية الجديدة ترتكز فى فعلها الخارجى ونشاطها الدبلوماسى باتجاه المحيط العربى ــ الإسلامى إلى أولويات ثلاث، هى النجاح العسكرى والسياسى فى أفغانستان/ باكستان، ومواصلة الحرب على الإرهاب، واحتواء الملف النووى الإيرانى إن بالأدوات التفاوضية أو بوسائل أخرى. يعنى هذا:
1) أن الولايات المتحدة، وعلى الرغم من الجهد الدبلوماسى لإدارة أوباما خلال الأشهر الماضية لإحياء مفاوضات السلام العربية ــ الإسرائيلية، لا ترى فى حل القضية الفلسطينية وإنهاء غيرها من قضايا الصراع العربى ــ الإسرائيلى نقاط الانطلاق الرئيسية لإعادة تعريف دورها فى المحيط العربى ــ الإسلامى وتجديد علاقتها بدوله.
2) أن الانحياز الأمريكى لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية، وكذلك إحجام أوباما عن ممارسة ضغوط فعالة على إسرائيل.. إن لإيقاف سياستها الاستيطانية فى الضفة الغربية والقدس الشرقية أو للدفع نحو حل نهائى عادل للقضية الفلسطينية، ليسا بمرشحين للتغير على المدى المنظور.
3) أن الإيجابية التى ولدها خطاب إدارة أوباما المتوازن باتجاه المحيط العربى ــ الإسلامى، وكذلك مجمل الفعل الخارجى للإدارة المستند إلى صناعة التوافق مع القوى الكبرى الأخرى والعودة إلى تفضيل الدبلوماسية متعددة الأطراف بدلا من الانفرادية التى ميزت إدارة بوش، سريعا ما ستتوارى على وقع غياب الترجمة الواقعية لوعود أوباما بحل القضية الفلسطينية، وإنهاء الحرب على الإرهاب، وصياغة علاقات احترام متبادل مع الدول العربية والإسلامية.
4) أن على العرب، شعوبا وحكومات، ألا يتوقعوا الكثير من أوباما، ويستعدوا لمواجهة المزيد من تعنت إسرائيل، وفرضها المستمر لحقائق جديدة على الأرض فى الضفة الغربية والقدس، وذلك فى ظل انشغال الولايات المتحدة خارجيا بإفغانستان وباكستان وإيران وداخليا بأجندة تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية وملفات كالرعاية الصحية والتغير المناخى.
5) أن محاولات بعض دول الاتحاد الأوروبى أو روسيا أن تحل محل الولايات المتحدة فى تنشيط مسارات السلام والتفاوض بين العرب وإسرائيل محكوم عليها بالفشل، نظرا لمحدودية أوراق دبلوماسيات هذه الدول وانتفاء قدراتها الفعلية للتأثير على إسرائيل.
إقليميا، بجانب الفاعلية المحدودة للدور الأمريكى فيما خص قضايا الصراع العربى ــ الإسرائيلى وتعنت إسرائيل، تواجه الدول العربية سلسلة من التحديات الخطيرة متنوعة المصادر والأبعاد.
1) يشكل الملف النووى الإيرانى وتنامى الدور الإقليمى للجمهورية الإسلامية إن فى منطقة الخليج أو العراق أو فى لبنان وفلسطين تهديدا حيويا للأمن القومى لعدد من الدول العربية أبرزها دول مجلس التعاون الخليجى والعراق ومصر، والأخيرة ترى فى تنامى الدور الإيرانى تراجعا لدورها هى.
2) تتخوف الدول العربية التى تنظر بعين الريبة إلى إيران، خصوصا السعودية ومصر، من أن يرتب الانفتاح التفاوضى الراهن للولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى على إيران بهدف التسوية السلمية لملفها النووى تقديم تنازلات كبرى، تؤمن للجمهورية الإسلامية مساحات إضافية للفعل فى الشرق الأوسط، وتطلق يدها كالقوة الإقليمية الأهم فى منطقة الخليج، وهو التخوف الذى يشار إليه دوما بالحديث عن فرص «المساومة الكبرى» بين واشنطن وطهران.
3) على الرغم من تخوف أطراف عربية مهمة كالسعودية ومصر من إيران، ومساعيها لمواجهة الدور الإيرانى فى الخليج ولبنان وفلسطين، يبتعد عدد آخر من الدول العربية عن هذه القراءة، وينظر إلى إيران كحليف إستراتيجى، كما هو الحال فى سورية، أو كجار تربطهم به علاقات اقتصادية وتجارية متنامية، على النحو الذى يظهره التعامل القطرى والعمانى وبدرجة أقل الإماراتى مع إيران.
4) يواجه العرب اليوم كذلك التصاعد الواضح للدور الإقليمى التركى، الذى تحول من البحث عن دور فى الشرق الأوسط انطلاقا من التحالف الإستراتيجى مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى الابتعاد تدريجيا عن تل أبيب والانفتاح باستقلالية لا تخشى الاختلاف مع واشنطن على إيران والجوار العربى، ومحاولة التوسط تفاوضيا للمساهمة فى حل صراعات المنطقة أو على الاقل نزع فتيل انفجارات محتملة، وبناء علاقات تعاون اقتصادى وتجارى متطورة مع الجوار.
5) فى الوقت الذى تغيب به عن المشهد الإقليمى نماذج عربية ناجحة، تشترك تركيا مع إيران فى طرحها نموذجا متكاملا ورؤية متسقة لمستقبل الشرق الأوسط، على التباينات المركزية بين النموذجين التركى والإيرانى. ففى حين تمثل إيران داخليا حالة من التداخل بين الدين والسياسة تغيب عنها الديمقراطية، تقف تركيا معبرة عن إمكانية الجمع الناجح بين علمنة مؤسسات الدولة والمجال العام وبين التحول نحو ديمقراطية تقبل مشاركة بل وهيمنة الحركات الإسلامية على الحياة السياسية فى إطار ضمانات دستورية وقانونية واضحة. وفى حين ترفع طهران إقليميا وخارجيا شعارات مواجهة الهيمنة الأمريكية والغربية فى الشرق الأوسط، ورفض الاعتراف بإسرائيل، ودعم حركات المقاومة فى لبنان وفلسطين، وتعمل على تكوين جبهة تضم إلى جانبها إطرافا عربية لمناوءة الغرب، ولا تتحفظ فى هذا الإطار عن التدخل فى شئون بعض الدول العربية، تتسم السياسة الإقليمية لتركيا بالدبلوماسية الهادئة، وبالبحث عن صناعة التوافق والحلول التفاوضية إن بين الغرب وإيران، أو بين سورية وإسرائيل، أو الأخيرة والفلسطينيين، وبتقديم التعاون الاقتصادى والتجارى على الشعارات الإيديولوجية أو التدخل غير المسئول فى شئون الدول الأخرى. والحقيقة أن أهمية وجاذبية النموذجين التركى والإيرانى، مجددا على الرغم من تبايناتهما، مرشحتان للتصاعد خلال الأعوام المقبلة وهو ما سيشكل واقعا ضاغطا على الدول العربية الحائرة بين التحالف مع الغرب والابتعاد عنه، بين المقاومة والسلام، بين الدين والديمقراطية، بين السياسة والاقتصاد.
6) تواجه الدول العربية مجموعة إضافية من التحديات والمخاطر الإقليمية ترتبط بغياب الاستقرار عن العراق، وتحول أزمات اليمن فى صعدة والجنوب إلى حالة من العجز التام للدولة اليمنية وساحة جديدة للصراع الإقليمى بعد العمليات العسكرية السعودية فى شمال اليمن وما يقال عن الدور الإيرانى هناك، عدم حسم ملفات المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس ومستقبل دور حزب الله فى السياسة اللبنانية مع تنامى التنازع حول سلاحه.
7) وفيما خص الاقتصاد، بدأت التداعيات السلبية للأزمة الاقتصادية والمالية العالمية فى الظهور فى الدول العربية المصدرة للنفط كما نتابع الآن بصورة يومية فى دبى وبورصات دول مجلس التعاون الخليجى، وكذلك فى الدول غير المصدرة للنفط التى تتراجع بها معدلات الاستثمارات الخارجية وتحويلات العمالة من الخارج فى حين تستمر مؤشرات البطالة والفقر فى الصعود.
أما التحديات الداخلية، وهى فى المجمل تدور حول أزمة مشروع الدولة الوطنية فى العالم العربى ومعضلات الإصلاح السياسى والتنمية المستدامة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية، فهى موضوع مقال الأسبوع المقبل.
نشرة الاصلاح العربي